في 22 سبتمبر، عبرت سفينتان تجاريتان فقط مضيق هرمز. ويكاد هذا الممر البحري الضيق، الذي تمر عبره عادةً خُمس إمدادات النفط اليومية في العالم وخُمس الغاز الطبيعي المسال المتداول عالميًا، يخلو من الحركة تحت مراقبة سفن حربية أمريكية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، دون أن تنجح هذه القوة في إقناع شركات التأمين التجارية بالمخاطرة حتى بعدد محدود من ناقلات النفط، بحسب سامي العريان، مدير مركز الإسلام والشؤون العالمية في جامعة إسطنبول زعيم، في مقال نشره موقع ميدل إيست آي.
ويرى المقال أن واشنطن لا تزال قادرة على تدمير أي هدف تقريبًا في الشرق الأوسط، لكن قدرتها على تحويل هذا الدمار إلى نتيجة سياسية تحقق أهدافها تمثل مسألة مختلفة تمامًا.
وبعد مرور سبعة أشهر على الحرب ضد إيران التي بدأت في 28 فبراير 2026، انتقلت واشنطن بين ثلاث استراتيجيات للضغط: قصف جوي واسع النطاق، وخنق اقتصادي عبر حصار بحري، وتصعيد مباشر بالمثل. ولم تنجح أي من هذه الاستراتيجيات في إعادة حركة الملاحة الطبيعية عبر المضيق.
ويستطيع الجيش الأمريكي السيطرة على الأجواء وإغراق السفن والقضاء على قادة سياسيين وعسكريين، لكنه لا يزال عاجزًا عن إجبار طهران على قبول شروطه.
وتنتمي حرب فيتنام وحرب الخليج عام 1991 والحرب الحالية في الخليج إلى عصور مختلفة، وتواجه خلالها الولايات المتحدة خصومًا مختلفين جذريًا، ولا يمكن مساواتها بصورة آلية. لكن كل حرب منها تكشف جانبًا مهمًا من حدود القوة الأمريكية ومدى قدرتها.
كانت «متلازمة فيتنام» أكثر من مجرد نفور داخلي من سقوط الضحايا، إذ عكست أزمة ثقة في فاعلية القوة العسكرية الأمريكية وأخلاقيتها وجدواها السياسية.
وفي ذروة الحرب، نشرت الولايات المتحدة أكثر من نصف مليون عسكري في الهند الصينية. وبحلول انتهاء الحرب، قُتل أكثر من 58 ألف أمريكي، إلى جانب ملايين الفيتناميين. وأسقطت واشنطن كميات هائلة من القنابل، ونشرت أكثر القوات تقدمًا من الناحية التكنولوجية في العالم، وأنفقت سنوات في دعم حكومة سايجون، لكنها خسرت الحرب في النهاية.
وتعلمت واشنطن في فيتنام أن التفوق الناري الهائل لا يستطيع فرض تسوية سياسية على خصم مستعد للصمود حتى تستنزف الإرادة السياسية الأمريكية. وبعد 16 عامًا، أقنعت المؤسسة السياسية الأمريكية نفسها، خلال حرب الخليج، بأنها دفنت ذلك الدرس إلى الأبد.
واليوم، تتعلم واشنطن الدرس نفسه مجددًا في مياه هرمز الهادئة.
من شبح سايجون إلى نشوة حرب الخليج
وُقعت اتفاقيات باريس للسلام في يناير 1973، إيذانًا بانسحاب القوات الأمريكية المقاتلة. وبعد عامين، في 30 أبريل 1975، اقتحمت الدبابات الفيتنامية الشمالية بوابات القصر الرئاسي في سايجون، بينما أجلت المروحيات الأمريكية أفرادًا من أسطح المباني في العاصمة التي كانت تنهار.
ويسجل التاريخ الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية ذلك اليوم باعتباره النهاية الفعلية للحرب. وتركت الصور أثرًا لا يُمحى، لأن الهزيمة كانت نفسية بقدر ما كانت عسكرية.
وكشفت فيتنام حدود القوة النارية؛ فقد امتلكت الولايات المتحدة تفوقًا تكنولوجيًا هائلًا وألحقت خسائر ضخمة بخصمها، لكنها عجزت عن بناء نظام سياسي قابل للحياة في فيتنام. وأدركت هانوي ما احتاجت واشنطن سنوات لاستيعابه: لم يكن الخصم الأضعف بحاجة إلى تحقيق انتصار حاسم في ساحة المعركة، بل كان يحتاج فقط إلى الصمود فترة تكفي لاستنزاف الإرادة السياسية الأمريكية.
وبدأت الحرب بالفعل في إعادة تشكيل السياسة داخل واشنطن نفسها. ففي عام 1973، تجاوز الكونجرس الأمريكي فيتو الرئيس ريتشارد نيكسون وأقر قانون صلاحيات الحرب في محاولة مباشرة للحد من قدرة السلطة التنفيذية على شن الحروب، بينما كان مبدأ نيكسون، الذي أُعلن عام 1969، قد دعا الحلفاء الإقليميين إلى تحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعهم.
وعلى مدار 15 عامًا بعد سقوط سايجون، ظل شبح فيتنام يطارد نخبة السياسة الخارجية الأمريكية باعتباره تذكيرًا بحدود ما تستطيع القوة العسكرية الأمريكية تحقيقه. وكانت كل دعوة إلى نشر قوات برية كبيرة في الخارج تصطدم مباشرة بشبح سايجون، إلى أن غزا صدام حسين الكويت.
وفي 2 أغسطس 1990، عبرت القوات العراقية الحدود إلى الكويت. ولم تكن البيئة الدولية آنذاك أكثر ملاءمة للقوة الأمريكية تقريبًا.
كان المعسكر السوفيتي ينهار، وكانت ألمانيا تتجه إلى الوحدة، بينما سعى الرئيس السوفيتي ميخائيل جورباتشوف بنشاط إلى التعاون مع الغرب.
وكانت الصين أضعف اقتصاديًا وعسكريًا بكثير مما هي عليه اليوم، كما بقيت معزولة دوليًا بعد حملة القمع التي أعقبت احتجاجات ميدان تيانانمن. ولم تكن هناك قوة منافسة قادرة على تشكيل تحالف بديل أو تحدي واشنطن بصورة جدية.
واستغل الرئيس جورج بوش الأب اللحظة بمهارة، وشكل تحالفًا دوليًا واسعًا بدلًا من شن حملة أحادية الجانب. وفي 29 نوفمبر 1990، تبنى مجلس الأمن الدولي القرار 678 بأغلبية 12 صوتًا مقابل صوتين وامتناع عضو واحد، مع تصويت كوبا واليمن ضد القرار وامتناع الصين عن التصويت، وأجاز استخدام «جميع الوسائل الضرورية» لتحرير الكويت ما لم تنسحب القوات العراقية بحلول 15 يناير 1991.
وانضمت حكومات عربية رئيسية، من بينها مصر وسوريا والسعودية والمغرب، إلى التحالف العسكري. ونشرت واشنطن قوة عسكرية بحجم لم يشهده العالم منذ حرب فيتنام. وبحلول يناير 1991، نشرت القوات الجوية والبحرية الأمريكية نحو ألفي طائرة عسكرية في المنطقة، إلى جانب نحو 600 طائرة أخرى تابعة لدول التحالف.
وعندما بدأت عملية «عاصفة الصحراء» في 17 يناير، كان الفارق التكنولوجي والعملياتي هائلًا. وعلى مدار أكثر من ستة أسابيع، نفذت قوات التحالف أكثر من 116 ألف طلعة قتالية وأسقطت نحو 88 ألفًا و500 طن من الذخائر.
وعندما بدأت الحرب البرية، استغرقت 100 ساعة فقط قبل تحرير الكويت. وشارك في العملية نحو 700 ألف عسكري أمريكي، فيما قُتل أقل من 300 منهم.
وأحدث الانتصار أثرًا سياسيًا هائلًا في واشنطن. وقدّم بوش الانتصار باعتباره أكثر من مجرد تحرير للكويت. وفي 1 مارس 1991، أعلن بصورة شهيرة: «بحق الله، لقد قضينا على متلازمة فيتنام مرة واحدة وإلى الأبد».
واعتقدت المؤسسة السياسية الأمريكية أنها استعادت ما فقدته في جنوب شرق آسيا: الثقة في أن التفوق العسكري الساحق يستطيع مرة أخرى تحقيق نتائج سياسية. فقد هزمت الولايات المتحدة جيشًا إقليميًا كبيرًا وأعادت دولة ذات سيادة، واعتقدت، وفق رؤية المؤسسة السياسية الأمريكية، أنها طردت شبح فيتنام.
لكن حرب الخليج تزامنت تقريبًا مع الانهيار النهائي للاتحاد السوفيتي، لتبدأ بعدها لحظة استثنائية في التاريخ الحديث، إذ لم تعد هناك قوة عظمى قادرة على موازنة الولايات المتحدة على المستوى العالمي.
امتلكت أمريكا أكبر اقتصاد في العالم وعملتها الاحتياطية الرئيسية، إلى جانب شبكة تحالفات لا تضاهيها أي دولة أخرى. وتوسعت عضوية حلف شمال الأطلسي شرقًا، وأُنشئت منظمة التجارة العالمية عام 1995، بينما عمل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على تعزيز التكامل الاقتصادي وفق شروط غربية إلى حد كبير.
وتجاوز النفوذ الأمريكي حدود حاملات الطائرات والقواعد العسكرية، إذ أخذت واشنطن تحدد بصورة متزايدة القواعد التي يعمل النظام الدولي وفقًا لها.
لكن الثقة التي ولّدها انتصار الكويت تحولت في النهاية إلى فخ خاص بها، إذ خلطت واشنطن بصورة متزايدة بين القدرة على تدمير القوة العسكرية لخصمها والقدرة على تحديد ما سيأتي بعد ذلك.
من أفغانستان والعراق إلى «متلازمة هرمز»
كشفت أفغانستان والعراق هذا الخطأ بعد هجمات 11 سبتمبر.
ففي أفغانستان، انتهى عقدان من العمليات العسكرية وبناء الدولة بعودة طالبان إلى السلطة في كابول، بالتزامن مع مغادرة آخر طائرة نقل أمريكية عام 2021.
وفي العراق، سقط نظام صدام حسين خلال أسابيع في عام 2003، لكن الاحتلال استنزف تريليونات الدولارات، وزعزع استقرار المنطقة، وانتهى إلى توسيع النفوذ الإيراني في بغداد.
وكان من المفترض أن تكون «متلازمة فيتنام» قد دُفنت عام 1991، لكن العراق وأفغانستان أظهرا أن التفوق في ساحة المعركة لا يمنح واشنطن القدرة على فرض النتائج السياسية التي تريدها.
وكان النظام أحادي القطبية يتآكل بالفعل قبل الحرب الإقليمية الحالية. فقد تحولت الصين إلى قوة اقتصادية كبرى، وأصبحت روسيا أكثر حزمًا من الناحية العسكرية، واستنزفت «الحرب على الإرهاب» الرأي العام الأمريكي، بينما اكتسب الجنوب العالمي وزنًا اقتصاديًا أكبر.
وقدمت غزة لواشنطن مشكلة مختلفة: أزمة في الشرعية والمصداقية. ففي عام 2024، قضت محكمة العدل الدولية بعدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي قضية الإبادة الجماعية المنفصلة التي رفعتها جنوب أفريقيا، أصدرت المحكمة تدابير مؤقتة ملزمة ضد إسرائيل. ورفضت إسرائيل مرارًا تلك التدابير وغيرها من النتائج القانونية الدولية أو قللت من شأنها.
وفي عام 2025، وصفت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الإبادة الجماعية في غزة بأنها «جريمة جماعية».
وخلصت منظمة العفو الدولية ومنظمة بتسيلم، كل على حدة، إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، بينما وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش أعمال إبادة وأفعالًا ترقى إلى الإبادة الجماعية.
وعلى مدار هذه الفترة، في ظل إدارتي جو بايدن ودونالد ترامب، استخدمت واشنطن نفوذها الدبلوماسي لحماية حليفتها الإسرائيلية. وعرقلت الولايات المتحدة مرارًا قرارات لوقف إطلاق النار في مجلس الأمن خلال إدارة بايدن، بما في ذلك تصويت في نوفمبر 2024 انتهى بـ14 صوتًا مقابل صوت واحد.
واستمر النهج نفسه في عهد ترامب. ففي يونيو 2025، وقفت الولايات المتحدة مجددًا بمفردها واستخدمت حق النقض ضد قرار يطالب بوقف فوري وغير مشروط ودائم لإطلاق النار، وتكرر الأمر في تصويت آخر بنتيجة 14 مقابل صوت واحد في سبتمبر من العام نفسه.
وعززت غزة، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من دول الجنوب العالمي، تصورًا قائمًا بالفعل: أن ما يسمى «النظام الدولي القائم على القواعد» يُطبق بصرامة على الخصوم الاستراتيجيين، مثل روسيا وإيران، لكنه يُعلق عندما يتعلق الأمر بحلفاء الولايات المتحدة. ويشكل هذا الكيل بمكيالين الخلفية السياسية المباشرة للأزمة في هرمز.
وعندما بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026، بدا ميزان القوى مائلًا بشدة لمصلحة واشنطن. وكانت إيران قد تعرضت لانتكاسات كبيرة خلال الأشهر السابقة.
وتعرضت قيادة حزب الله وترسانته لضربات شديدة، كما أدى سقوط حكومة بشار الأسد في ديسمبر 2024 إلى قطع الطريق البري الرئيسي لطهران نحو حزب الله، وأظهرت الاستخبارات الإسرائيلية اختراقًا عميقًا داخل إيران. وفي مواجهة محور مقاومة أضعف، امتلكت واشنطن وإسرائيل تفوقًا تقليديًا هائلًا.
لكن التفوق التكتيكي لم يتحول إلى نجاح استراتيجي. وبعد سبعة أشهر من الحملة، تبدو الصورة مختلفة جذريًا.
وبحلول أوائل سبتمبر، قدرت وزارة الدفاع الأمريكية التكلفة العسكرية المباشرة للحرب بنحو 44 مليار دولار، منها 28 مليار دولار خُصصت للذخائر المتقدمة وصواريخ الاعتراض الدفاعية وحدها. وأعلنت وزارة الدفاع مقتل 18 أمريكيًا على الأقل وإصابة أكثر من 830 آخرين، بينما حذر مسؤولون من تراجع مخزونات صواريخ باتريوت وثاد وتوماهوك.
وقد لا تكون إيران قد هزمت الجيش الأمريكي، لكنها ليست بحاجة إلى ذلك. فلا يتعين على طهران مضاهاة البحرية الأمريكية سفينة بسفينة، ولا إخلاء الأجواء من المقاتلات الأمريكية.
وتمنح الجغرافيا طهران نفوذًا هائلًا. وقبل الحرب، كانت تمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يعادل 20% من استهلاك النفط العالمي ونحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية، إلى جانب خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا.
وخلال الأيام الـ39 الأولى التي أعقبت ضربات 28 فبراير، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة جوية مكثفة ضد إيران، إذ استهدف الجيش الأمريكي وحده أكثر من 13 ألف هدف. وأعلنت إسرائيل بصورة منفصلة إسقاط 18 ألف ذخيرة على نحو 4 آلاف هدف.
ولم تستسلم إيران، بل ردت بهجمات بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة على منشآت ومصالح أمريكية وإسرائيلية، وألحقت أضرارًا أظهرت تحليلات الأقمار الصناعية لاحقًا أنها كانت أوسع بكثير مما أُعلن في البداية.
وعندما انهارت المحادثات في إسلام آباد في أبريل، فرضت واشنطن حصارًا بحريًا لخنق الاقتصاد الإيراني وإجبار طهران على الاستسلام. لكن الحصار لم يؤد إلى الاستسلام، إذ تمسكت طهران بمطالبها الأساسية، وفي يونيو توصل الطرفان إلى مذكرة تفاهم مؤقتة وُقعت في 17 يونيو، قدمت واشنطن بموجبها تنازلات بشأن شروط رئيسية.
وانهار الاتفاق خلال ثلاثة أسابيع. واستؤنف القتال في أوائل يوليو، وبحلول 14 يوليو أعادت إدارة ترامب فرض الحصار، لكن هذه المحاولة الثانية تعثرت هي الأخرى بحلول النصف الثاني من أغسطس.
وبحلول سبتمبر، لم تنجح أي من أدوات الضغط هذه في إعادة حركة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز. وبعد سبعة أشهر من إطلاق الحملة، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام أزمة بحرية لم تكن موجودة في 27 فبراير، بعدما انهارت حركة السفن التجارية عبر المضيق من متوسط بلغ 125 سفينة كبيرة يوميًا قبل الحرب إلى عدد محدود فقط.
وهذه هي «متلازمة هرمز»: تستطيع أمريكا السيطرة على ساحة المعركة وإلحاق أضرار هائلة بآلاف الأهداف، لكنها تفشل في إجبار خصمها على قبول شروطها.
وتقدم اليمن مثالًا آخر. فقد وسع الحوثيون، الذين طالما قللت واشنطن من شأنهم باعتبارهم جماعة إقليمية هامشية، نطاق سيطرتهم الجغرافية على طول ساحل البحر الأحمر وفي مرتفعات اليمن. وعطلت هجماتهم حركة الشحن التجاري، وأثارت تساؤلات في عواصم الخليج بشأن حدود الضمانات الأمنية الأمريكية.
ولا تحتاج طائرة مسيرة هجومية تكلف 50 ألف دولار إلى إسقاط مقاتلة شبحية قيمتها 100 مليون دولار لتحقيق هدفها. فإذا أجبرت المدافع على إطلاق صاروخ اعتراض قيمته مليونا دولار، أو أوقفت حركة الطيران التجاري، أو رفعت أسعار التأمين البحري عالميًا، فإنها تكون قد فرضت بالفعل تكلفة غير متناسبة.
وقد تتمكن مجموعة قتالية لحاملة طائرات تبلغ قيمتها مليارات الدولارات من السيطرة على المياه المحيطة بها، لكنها لا تستطيع إجبار شركات الشحن التجارية أو شركات التأمين على المخاطرة بالإبحار في ممر مائي متنازع عليه.
عالم يتغير وقيود جديدة على القوة الأمريكية
بدأت دول الخليج بالفعل إعادة النظر في ترتيباتها الأمنية. ولا تستطيع السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر تغيير جغرافيتها: إيران جار لها، والصين أكبر شريك تجاري لها.
وبدلًا من الاعتماد الكامل على المظلة الدفاعية الأمريكية، تتجه هذه الدول بصورة متزايدة إلى التحوط عبر ترتيبات إقليمية. ويأتي «اتفاق مكة» مثالًا على ذلك، وهو اتفاق دفاع مشترك وقعته تركيا والسعودية وباكستان في 7 أغسطس. ويستهدف الاتفاق بناء هيكل أمني إقليمي أقل اعتمادًا على واشنطن، مع إمكانية انضمام قوى كبرى أخرى مثل مصر وإيران إليه في نهاية المطاف.
ولا حاجة إلى إعلان فائز حتى نفهم ما الذي تغير. فقد تعرضت إيران لدمار مادي واقتصادي هائل، ولا تزال الولايات المتحدة أقوى طرف عسكري خارجي في المنطقة. ولم يتغير ميزان القوة العسكرية، لكن ما تغير هو قدرة واشنطن المثبتة على تحويل هذه القوة إلى نتائج سياسية.
وقد أثبتت إيران أن فرض النظام الإقليمي الذي تفضله واشنطن سيحمل تكاليف لا يرغب النظام السياسي والاقتصاد الأمريكيان في تحملها.
وتواجه إسرائيل مأزقًا مشابهًا. فقد أظهرت قدرات استخباراتية متقدمة وقدرة كبيرة على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى، وألحقت أضرارًا كبيرة داخل إيران، لكن هذه الإنجازات لم تنتج وحدها النتيجة السياسية التي أرادتها إسرائيل. كما كشفت الحرب اعتماد إسرائيل على الإمدادات الأمريكية وصواريخ الاعتراض والحماية الدبلوماسية والانتشار البحري الأمريكي.
وقبل 28 فبراير، كانت إسرائيل تأمل في الخروج باعتبارها القوة العسكرية المهيمنة في نظام إقليمي جديد، لكن هرمز كشف حدود هذا الطموح.
وهنا تظهر أوجه التشابه مع فيتنام بأوضح صورة. فلم تُسقط تلك الحرب الولايات المتحدة، لكنها كشفت للعالم حدود القوة الأمريكية.
ولا تتوافر اليوم أي من الظروف الجيوسياسية التي مهدت لانتصار 1991. فلم تعد الصين مراقبًا معزولًا يكتفي بالمشاهدة من بعيد.
وتتحدى روسيا بصورة نشطة الإطار الأمني الغربي، بينما تسعى قوى متوسطة مثل تركيا والهند والبرازيل بصورة متزايدة إلى إقامة علاقات متعددة الاتجاهات بدلًا من قبول خيارات ثنائية.
وأصبح الاقتصاد العالمي أكثر تفتتًا، بينما بلغ الاستقطاب السياسي داخل الولايات المتحدة مستويات حادة. كما تراجعت المكانة الأخلاقية لواشنطن بفعل عقود من الحروب في العراق وأفغانستان، وتواطؤها في الإبادة الجماعية في غزة، بحسب الكاتب.
ولا تزال الولايات المتحدة أقوى دولة في العالم، لكنها لم تعد تعمل في عالم تستطيع فيه بمفردها إملاء شروط السياسة الدولية.
خرجت واشنطن من عام 1991 وهي تعتقد أن تفوقها العسكري قادر على تنظيم النظام الدولي حول أولوياتها. لكن هرمز يكشف حدود هذا الاعتقاد. فأكثر جيوش العالم تقدمًا يستطيع تدمير خصمه وإلحاق أضرار هائلة به، لكنه لا يمتلك بالضرورة القدرة على تحديد كيفية انتهاء الحرب.
وقد أدرك الفيتناميون هذا الفرق قبل أكثر من نصف قرن، ولم تستوعبه واشنطن إلا مع مغادرة آخر مروحياتها سايجون. وأتاحت حرب الخليج للمؤسسة السياسية الأمريكية نسيان الدرس، لكن هرمز يجبر واشنطن على تذكره.
يبلغ عرض مضيق هرمز 21 ميلًا في أضيق نقاطه، وعلى مدار عقود جعل ظل القوة الأمريكية المضيق يبدو أوسع.
لكن ذلك لم يعد كذلك.
https://www.middleeasteye.net/opinion/vietnam-taught-america-limits-its-power-hormuz-teaching-it-again

